محمد بن جرير الطبري
26
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في وجهه ، قال : فضربَ صدره وقال : ابعَدْ شيطانًا - قالها ثلاثًا - ثم قال : يا عمرُ ، إن القرآن كلَّه صواب ، ما لم تجعلْ رحمةً عذابًا أو عذابا رحمةً ( 1 ) .
--> ( 1 ) الحديث 16 - رواه أحمد في المسند ( 16437 ج 4 ص 30 طبعة الحلبي ) عن عبد الصمد ، وهو ابن عبد الوارث ، بهذا الإسناد ، نحوه . ونقله الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن : 73 ، وقال : " وهذا إسناد حسن . وحرب بن ثابت هذا يكنى بأبي ثابت ، لا نعرف أحدًا جرحه " . ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 150 - 151 ، وقال : " رواه أحمد ، ورجاله ثقات " . وذكره الحافظ في الفتح 9 : 22 - 23 ، ونسبه للطبري فقط ، فقصر إذ لم ينسبه للمسند . وإسناده يحتاج إلى بحث : فأولا - " حرب بن ثابت " : ثبت في نسخ الطبري هنا " حرب بن أبي ثابت " ، وهو خطأ صرف من الناسخين . صوابه " حرب بن ثابت " ، وهو " المنقري " ، ترجمه البخاري في التاريخ الكبير : 2 \ 1 \ 58 ، قال : " حرب بن أبي حرب أبو ثابت ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ، قاله عبد الصمد . وقال موسى : حدثنا حرب بن ثابت المنقري . يعد في البصريين " . وترجمه ابن حبان في الثقات 443 - 444 ، قال : " حرب بن ثابت المنقري ، من أهل البصرة ، يروي عن الحسن ومروان الأصفر ، روى عنه عبد الصمد ، كأنه : حرب بن أبي حرب الذي ذكرناه " . وقد ذكر قبله ترجمة " حرب بن أبي حرب ، يروي عن شريح ، روى عنه حصين أبو حبيب " . والحافظ ابن حجر حين ترجم لحرب بن ثابت ، أشار إلى كلام ابن حبان هذا ، وعقب عليه بأنه " واحد ، جعله اثنين ، ثم شك فيه " ! ! ولم ينصفه في هذا ، فإنهما اثنان يقينًا ، فصل بينهما البخاري في الكبير ، فجعل الذي يروى عن شريح برقم : 226 ، غير الذي نقلنا كلامه عنه برقم : 227 . وأما الذي جعل الراوي راويين فإنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2 \ 1 \ 252 ذكر ثلاث تراجم ، بالأرقام : 1121 ، 1123 ، 1125 ، فالأخير هو الذي روى عن شريح ، والأولان هما شخص واحد ، وهم فيه ابن أبي حاتم . وقد نسب " حرب بن ثابت " هذا في التعجيل : 91 - 92 بأنه " البكري " ، وكذلك في الإكمال للحسيني : 23 . وأنا أرجح أن هذا خطأ من الناسخين ، أصله " البصري " ، فإن نسبته فيما أشرنا إليه من تراجمه " المنقري " ، وهو من أهل البصرة ، فعن ذلك رجحت أن صوابه " البصري " . وثانيًا - " إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة " : هكذا رواه عبد الصمد بن عبد الوارث عن حرب بن ثابت المنقري . ولكن بعض العلماء شك في صحة هذا ، فقال البخاري في الكبير في ترجمة حرب : " وقال مسلم : حدثنا حرب بن ثابت سمع إسحاق بن عبد الله " فهذه رواية البخاري عن شيخه مسلم بن إبراهيم الفراهيدي عن حرب بن ثابت " أنه سمع إسحاق بن عبد الله " . وهي تؤكد صحة ما رواه عبد الصمد . ولكن قال البخاري عقب ذلك : " حدثني إسحاق بن إبراهيم قال : أخبرنا عبد الصمد قال : حدثنا حرب أبو ثابت قال : حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة . ويقال : إسحاق هذا ليس بابن أبي طلحة ، وهم فيه عبد الصمد من حفظه ، وأصله صحيح " ، فهذه إشارة إلى هذا الحديث . . ولكنه قال في التاريخ الكبير 1 \ 1 \ 382 في ترجمة " إسحاق الأنصاري " : " إسحاق الأنصاري . حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا حرب بن ثابت المنقري قال : حدثني إسحاق الأنصاري عن أبيه عن جده ، وكانت له صحبة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : القرآن كله صواب : وقال عبد الصمد : حدثنا حرب أبو ثابت سمع إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله . وقال بعضهم : لقن عبد الصمد ، فقالوا : ابن عبد الله بن أبي طلحة ، ولم يكن في كتابه : ابن عبد الله " . فهذه إشارة أخرى من البخاري لهذا الحديث أيضًا ، كعادته في تاريخه ، في الإشارة إلى الأحاديث التي يريد أن يرشد إلى مواطن البحث فيها . وقد أشار البخاري في الموضعين إلى قول من شك في أن " إسحاق الأنصاري " راوي هذا الحديث غير " إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري " الثقة المعروف بروايته عن أبيه " عبد الله " عن جده " أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري الصحابي الكبير " أحد النقباء ، الذي شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأتى بقوله هذا مجهلا إياه ممرضًا ، بقوله مرة : " ويقال " ، ومرة : " وقال بعضهم " . ثم عقب على هذا التمريض في المرة الأولى بقوله : " وأصله صحيح " ، يعني أصل الحديث . فهو تصريح منه بصحة الحديث ، وبرفض قول هذا القائل الذي شك فيه . وقد وافقه على ذلك زميله وصنوه أبو حاتم الرازي ، فقال ابنه في الجرح والتعديل ، في ترجمة " إسحاق الأنصاري " 1 \ 1 \ 239 - 240 : " سمعت أبي يقول : يرون أنه : إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري " . وسبقهما إلى ذلك شيخهما إمام المحدثين ، الإمام أحمد بن حنبل ، فأثبت هذا الحديث في مسند " أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري " دون شك أو تردد . فصح الحديث ، والحمد لله .